تعد المراجعة الداخلية ركيزة أساسية في أي مؤسسة تسعى لتحقيق التميز والنجاح المستدام. فهي لا تقتصر على مجرد عملية تدقيق للحسابات والبيانات المالية، بل تمتد لتشمل تقييم شامل لجميع جوانب العمليات والأنظمة الداخلية للمنظمة، بدءًا من الحوكمة وإدارة المخاطر وصولًا إلى كفاءة العمليات وتقييم الأداء. وتلعب الإدارة التنفيذية دورا حيويا في دعم وتعزيز دور المراجعة الداخلية، حيث تعتبر العلاقة بينهما علاقة تكاملية وتآزرية لتحقيق الأهداف المشتركة للمؤسسة، بما في ذلك تحقيق الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان الامتثال للأنظمة واللوائح.
يمكن تصوير تقارير المراجعة الداخلية الشاملة والموضوعية بمثابة مرآة تعكس واقع الأداء المؤسسي وإنذارا مبكرا لتجنب الوقوع في المخاطر أو تخفيف وطأتها. وهذا جميعه يساعد الإدارة التنفيذية في صناعة قرارات تشغيلية واستراتيجية واضحة قائمة على معلومات واقعية دقيقة وموثوقة. إن طبيعة عمل المدير التنفيذي في معظمه ذو توجه مستقبلي استراتيجي يتطلب أفكارا إبداعية تدفع نحو خوض غمار المجهول وما يكتنفه من مخاطر. وهنا تظهر أهمية دور المراجع الداخلي كمقيم للمخاطر سواء كانت مخاطر مالية أو تشغيلية أو قانونية، وتقديم توصيات فعالة للتخفيف من تأثيراتها السلبية على أهداف المنظمة. ولا تقتصر تقارير المراجعة الداخلية على تقييم المخاطر، بل تمتد لتشمل تحسين كفاءة وفعالية العمليات والأنظمة الداخلية، من خلال تحديد نقاط الضعف واقتراح الحلول المناسبة، أو من خلال رؤية في الفرص واقتراح اقتناصها، مما يساهم في تعزيز الإنتاجية وتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة. كما تساعد المراجعة الداخلية في ضمان التزام المؤسسة بالأنظمة المعمول بها، سواء كانت محلية أو دولية، مما يحميها من العقوبات والغرامات المحتملة، ويحافظ على سمعتها ومكانتها في السوق. وأخيرا، تعكس المراجعة الداخلية الفعالة التزام المؤسسة بالشفافية والمساءلة، مما يعزز ثقة المستثمرين والعملاء والشركاء، ويساهم في جذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام.
ومن أجل نجاح المراجع الداخلي في دوره التأكيدي والاستشاري يتطلب من الإدارة التنفيذية استيعاب دوره كمساند وداعم لصناعة القرار والتطوير المؤسسي. وهذا التصور لدور المراجع الداخلي لا يدركه إلا أولئك التنفيذيون المتميزون من ذوي الرؤى الثاقبة والطموحات المستقبلية والدوافع الكبيرة والقدرة الإدارية في تحقيق التميز المؤسسي. وعندما يكون التنفيذي على هذه الدرجة من الوعي بأهمية دور المراجع الداخلي في تجويد عملية صناعة القرار يسعى لتمكين إدارة المراجعة الداخلية من أداء مهامها بكفاءة وفعالية من خلال دعمها إداريا وتنظيميا وتسهيل حصولها على البيانات والمعلومات المطلوبة بالتوقيت المطلوب. إن نطاق عمل المراجعة الداخلية يتقاطع مع عمل الإدارة التنفيذية وربما نتج عن ذلك نوع من الاختلاف في وجهات النظر وهو أمر طبيعي لاختلاف الأدوار والمهام. إلا أنه لا يجب أن يكون على حساب الصورة الكبرى. هذا بطبيعة الحال يستلزم توسيع نطاق عمل المراجعة بما يضمن تحقيق أدوارها المناطة بها بكفاءة وفاعلية بما يتوافق مع الاستراتيجية العامة للمنظمة. وهنا تبرز أهمية استقلالية المراجعة الداخلية والنأي عن التدخل في عملها، لضمان موضوعية وحيادية تقاريرها وتوصياتها، وتعزيز درجة الموثوقية في نتائج المراجعة. كما أن كفاءة تقارير المراجعة الداخلية مرهون بكفاءة تنفيذ الخطط التصحيحية، والإفادة من التوصيات في استدراك السلبيات وتعزيز الإيجابيات، ومتابعتها والتأكد من تحقيق الأهداف المرجوة. ومن المهم أن تعمل الإدارة التنفيذية على تعزيز ثقافة المراجعة الداخلية في جميع مستويات المؤسسة، من خلال تشجيع الإدارات والأقسام على التعاون مع المراجع الداخلي وتقديم المعلومات اللازمة، وتوعيتهم بأهمية المراجعة الداخلية كجزء أساس من نسيج المنظمة مكملا ومساندا ومستشارا ومقيما لتطوير الأعمال والمهام التي يقومون بها وتحقيق التميز المؤسسي.
وعلى الرغم – على الأقل من الناحية النظرية- من العلاقة التكاملية بين المراجعة الداخلية والإدارة التنفيذية، إلا أنها قد تواجه بعض التحديات التي يجب التغلب عليها لتحقيق أقصى استفادة من هذه العلاقة. قد يعتقد بعض أعضاء الإدارة التنفيذية ممن يغرقون بالتفاصيل الروتينية والإجراءات اليومية الشكلية أن المراجعة الداخلية هي مجرد عملية تدقيق روتينية بيروقراطية، ولا يدركون أهميتها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمنظمة. هذا التصور الضيق لدور المراجع الداخلي لدى بعض التنفيذيين يضيع فرصة الاستفادة من تقارير وتوصيات المراجع الداخلي، كما أن ذلك التصور الضيق ( الخاطئ) يكون حاجزا عن دعم إدارة المراجعة الداخلية،. ما قد يعني تأخر توفير الموارد المالية والبشرية والتقنية المطلوبة لأداء مهامها بكفاءة وفاعلية وتغطية جميع جوانب العمليات والأنظمة الداخلية. بل هناك حالات يحاول بعض أعضاء الإدارة التنفيذية التدخل في عمل المراجعة الداخلية، والتأثير على نتائجها وتوصياتها، مما يقلل من مصداقية المراجعة الداخلية ويضعف دورها في المنظمة. المشكلة عندما يعتقد المدير التنفيذي ألا علاقة له بهذه التقارير فيتجاهلها، وبالتالي لا تتخذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التوصيات، وهنا يصيب المراجعة الداخلية في مقتل لتكون عاجزة عن تحقيق الأهداف المرجوة!
وفي المقابل، نجد بعضا من منسوبي نشاط المراجعة الداخلية باسم الاستقلالية والموضوعية لا يحسنون طريقة التعامل مع الإدارة التنفيذية. فالبعض ينغلق على ذاته ويتلبسه شعور بالسلطة المطلقة وتجده في حالة هجومية عدوانية يسيطر عليه التفكير الصفري (إما أنا أو أنت) لتصاب العلاقة مع الإدارة التنفيذية بالفتور والتأزم والدخول في دائرة من الصراعات والنزاعات لتتحول عمليات تقييم المخاطر وخطة المراجعة والتقارير لساحة معركة ونقاشات خارج دائرة المشترك (الصورة الكبرى) وما يحقق أهداف المنظمة. والقول أن البعض – وباسم المحافظة على الموضوعية – يحجم عن تقديم الاستشارات على الرغم من أنها إحدى الأدوار المهمة التي تضيف قيمة وتهيئ وتدفع لتطوير المنظمة. إن معرفة المراجع الداخلي بأسرار المنظمة وأدق تفاصيل أعمالها يجب عدم استخدامه كرحلة من أجل البحث عن القصور دون تمييز بين الأولويات ودرجة المخاطرة والتقليل من أداء الاخرين، بل يجب استثماره من أجل تقديم الاستشارات والتوصيات الموضوعية وذات البصيرة التي ترتقي بالعمل وتسد الفجوة بين الواقع والمأمول.
ولتعزيز العلاقة بين المراجعة الداخلية والإدارة التنفيذية، على الطرفين الحرص على إقامة علاقة صحية تضمن الوصول للأهداف المشتركة. ومن ذلك، إنشاء والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة ومنتظمة، وتعزيز ثقافة يشعر فيها الطرفان بالثقة وتبادل الأفكار في جو آمن، والتعرف على القيمة التي يجلبها كل طرف للآخر. فمن ناحية، على الإدارة أن تحترم استقلالية وموضوعية المراجعة الداخلية، في حين ينبغي أن تضع المراجعة الداخلية اعتبارا للأولويات الاستراتيجية والتحديات التشغيلية التي تواجهها الإدارة. كما يجب وضع الأهداف المشتركة في المقدمة، وتطوير فهم مشترك لأهداف المنظمة ومخاطرها. ومن ذلك، مواءمة خطط المراجعة مع هذه الأهداف لضمان أن تكون جهود المراجعة الداخلية ذات صلة ومؤثرة. بالإضافة إلى ذلك، تعزيز قيم الشفافية والتعاون وتبادل المعلومات بشكل مفتوح والعمل معا لتحديد القضايا ومعالجتها. وأخيرا، إذكاء مفهوم التحسين المستمر، ومن ذلك الانفتاح على التعليقات وتعديل النهج حسب الحاجة لضمان شراكة ديناميكية ومثمرة.
في الختام، العلاقة بين المراجعة الداخلية والإدارة التنفيذية علاقة تكاملية تعاونية ضرورية لتحقيق التميز المؤسسي. ولا غنى لأي منهما عن الآخر لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

