المنظمة أي منظمة هي مجموعة من العلاقات الإنسانية. تتحدد هذه العلاقات قوة واتجاها بمراكز القوى. والقوة هنا لا تعني قوة سلطة المركز الرسمية فقط، ولكن من يملك التأثير سواء كانت قوة المعرفة الفنية، السلطة المرجعية، القوة القسرية، قوة المكافأة، القوة المعلوماتية، قوة الاتصال، أو القوة الكاريزمية. تكمن أهمية هذه العلاقات داخل المنظمة في صناعة القرارات والسياسات في تحديد القيم وأولويات العمل والتوجهات المستقبلية. وهنا يظهر ما يسمى “السياسة المكتبية” وهي نتيجة حتمية للتنافسية في تحديد “من؟” يحصل على “ماذا؟” و”كيف؟” و”متى؟” ورسم التصور المستقبلي للمنظمة من منظور قيمي فكري وليس بالضرورة اقتصادي مالي. والسياسة داخل المنظمات ذات وجهين: إيجابي وسلبي. فتكون إيجابية حين تحد في إطار أخلاقي مهني تستهدف تطوير المشترك والوصول إلى أوضاع أفضل مربحة للجميع. وقد تكون سلبية حينما تستهدف الغلبة والانتصار الشخصي والتحزب بشكل عدائي دون مراعاة للصالح العام. من هنا، تلعب المراجعة الداخلية دورا أساسيا في محاصرة هذه الصراعات في إطار قيمها الراسخة والشفافية والنزاهة المهنية. هذا السعي للمراجعة الداخلية في تحقيق الموضوعية والحيادية ومنع انجراف العلاقات داخل المنظمة نحو الصراعات العدائية ومآلاتها الخطيرة لا يخلو من تحديات. فالسياسة المكتبية ذاتها قد تضعف من كفاءة وظيفة المراجعة الداخلية وفاعليتها حينما تطفو الصراعات الشخصية، التحيزات، وضغوط الإدارة، مهددة استقلالية وموضوعية المراجعين الداخليين. الحديث هنا ليس تعميما ولكن تحذيرا للمراجعين الداخلين بضرورة التنبه بعدم الانصياع لهذه الصراعات وتوخي الحذر والتركيز على دورهم الأساس كضابط رقابي مستقل لنشاطات المنظمة وكاشف للحقيقة وواقع الأمر، قد تتسبب السياسة المكتبية عندما تستخدم بشكل غير أخلاقي في تقييد المراجعين الداخليين عن أداء مهامهم بفعالية . فعلى سبيل المثال، في قضية شركة إنرون (Enron) ضغطت الإدارة العليا على المراجعين الداخليين والخارجيين للتلاعب في والتغطية على التقارير المالية. هذا الضغط جعل المراجعين يتغاضون عن ممارسات غير قانونية، مما أدى إلى انهيار الشركة في عام 2001، وهو ما أبرز كيف يمكن للسياسة المكتبية أن تعرقل عمل المراجعة الداخلية وتضعف استقلاليتها.
وبشكل أكثر تفصيلا، تتخذ السياسة المكتبية عدة أشكال في تأثيرها على المراجعة الداخلية منها على سبيل المثال:
1. ضغوط الإدارة التنفيذية على المراجعين الداخليين: عندما تكون المراجعة الداخلية تحت إشراف الإدارة التنفيذية بدلا من لجنة المراجعة أو مجلس الإدارة، تصبح عرضة للضغوط. في فضيحة بنك ويلز فارقو (Wells Fargo) عام 2016، كانت الإدارة تضغط لتحقيق أهداف مبيعات مبالغ فيها، ما أدى إلى إنشاء ملايين الحسابات المصرفية الزائفة. رغم أن المراجعين لاحظوا إشارات تحذيرية، إلا أن السياسة المكتبية حالت دون اتخاذ إجراءات حاسمة. هذا المثال يوضح كيف يمكن أن تؤدي الضغوط السياسية إلى تآكل موضوعية المراجعة.
2. التلاعب بالمعلومات وحجبها: من أبرز أشكال السياسة المكتبية تأثيرا على عمل المراجعين الداخليين والجهات الرقابية عموما هو حجب المعلومات أو تقديمها بشكل مضلل. أيضا يسعى البعض لتأخير تقديم المعلومات والبيانات المطلوبة لتأخير فريق المراجعة عن أداء الاختبارات والفحوصات اللازمة مما يصعب مهمة الفريق. في قضية شركة فولكسفاغن (Volkswagen) – على سبيل المثال – كانت الإدارة تخفي تقارير دقيقة عن انبعاثات الديزل الملوثة. أدى ذلك إلى تضليل المراجعين الداخليين الذين لم يتمكنوا من الكشف عن المشكلة بسبب البيانات غير الكاملة التي تم توفيرها لهم. الفضيحة تسببت في خسائر فادحة للشركة، مما يظهر كيف يمكن للتلاعب بالمعلومات أن يعيق المراجعة الداخلية عن أداء دورها بفعالية.
3. التحيز الشخصي والعلاقات الداخلية: في بيئة مكتبية مليئة بالتحيزات الشخصية، قد يجد المراجعون أنفسهم متأثرين بعلاقاتهم مع الزملاء أو المسؤولين. في فضيحة بارمالات (Parmalat) عام 2003، تم الكشف عن أن المراجعين الداخليين كانوا على علم ببعض الأنشطة المالية المشبوهة، لكنهم اختاروا التغاضي عنها بسبب الروابط الشخصية مع الإدارة العليا. هذه السياسة المكتبية أضعفت الموضوعية وأدت إلى انهيار الشركة.
من أجل ذلك، يجب الحفاظ على الاستقلالية والتي تهدف إلى إذكاء قدرة المراجعين الداخليين على العمل بحرية ودون تدخل أو ضغط من الإدارة أو الأطراف الأخرى مما يساعد على أداء العمل بموضوعية. لضمان هذه الاستقلالية – وكما تشير المعايير العالمية للمراجعة الداخلية – يجب أن تكون وظيفة المراجعة الداخلية مرتبطة مباشرة بلجنة المراجعة أو مجلس الإدارة ووضوح الصلاحيات والمسؤوليات والأهداف في ميثاق المراجعة الداخلية.
من جانب آخر، على المراجعين الداخليين الحرص على تحقيق الموضوعية بالاستناد إلى الأدلة، بعيدا عن التحيز أو التأثيرات والتجاذبات الداخلية والخارجية. على سبيل المثال في فضيحة شركة فولكسفاغن، كان يمكن للمراجعين تقديم تقارير دقيقة لو لم يكن هناك تضليل من الإدارة. التحيز الناتج عن السياسة المكتبية قوض نزاهة المراجعة وأدى إلى خسائر كبيرة في سمعة الشركة. أيضا، بنظرنا كان يجب على المراجعين الداخليين التحلي بالشك المهني الضروري لإعطاء التأكيدات المطلوبة وعدم أخذ المعلومات والبيانات والتقارير على أنها مسلمات خالية من الخطأ أو الاحتيال.
ويبقى السؤال، كيف يمكن للمنظمات الحد من آثار السياسة المكتبية على استقلالية وموضوعية المراجعة الداخلية؟ يمكن للواحد أن يفكر في عدد من الأمور التي تساعد في هذا الجانب، منها:
1. تعزيز الشفافية داخل المنظمة من خلال تبني مجلس الإدارة نهجا واضحا حول الإفصاح والشفافية مع كافة أصحاب المصلحة ومساءلة الإدارة التنفيذية بشكل دقيق وإظهار الممارسات الصحيحة والقدوة الحسنة في هذا المجال. ذكر لي أحد الزملاء أنه في إحدى اجتماعات مجلس الإدارة في إحدى الشركات رفع مذكرات لمسائل حساسة مارستها الإدارة التنفيذية كان يرى إشكاليتها وخطرها على المنظمة، فكان رد أحد الأعضاء “وماذا تريدنا أن نفعل الآن؟!”. فإذا كان مجلس الإدارة ضعيفا في تبني نهج الشفافية والإصلاح والحفاظ على المقدرات وعمل الأشياء بالشكل الصحيح أو حتى طلب تبرير التجاوزات التي قد يتطلبها العمل الإداري لمصالح التشغيل للإدارة التنفيذية فإن المستويات الإدارية المختلفة لن تقوم على تعزيز هذه الشفافية المطلوبة. وبالتالي سيكون هناك تقوية وزيادة لعمق وأثر السياسة المكتبية السلبية في المنظمة.
2. فهم المراجعة الداخلية لأنشطة المنظمة والعلاقات والروابط والأهداف المختلفة للإدارات والأفراد. ومن شأن ذلك تسهيل فهم الديناميكيات داخل المنظمة وكشف الغطاء عن السياسة المكتبية التي تعرقل النظرة الموضوعية للمراجع الداخلي. ولا يتأتى ذلك إلا بقرب المراجع الداخلي من الإدارة التنفيذية وتكوين علاقات صحية لا تؤثر على الموضوعية مع مختلف المستويات في المنظمة.
3. تطبيق التكنولوجيا في عمليات المراجعة أصبح ضرورة ملحة. حيث يمكن أن تساعد في تجاوز تأثيرات السياسة المكتبية من خلال استخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وإمكانية الكشف عن الأنماط غير الطبيعية في البيانات. والبيانات المؤتمتة – عادة – لا تكذب!
4. توظيف المراجعين الداخليين ذوي الشخصيات القوية والسمات الأخلاقية العالية والمعرفة المهنية العميقة. وأيضا التدريب المستمر للمراجعين الداخليين يساعد على تحسين قدرة المراجعين على التعامل مع الضغوط الناتجة عن السياسة المكتبية.
التأكيد على ضمان قنوات اتصال مستقلة ومفتوحة بين المراجع الداخلي و لجنة المراجعة ومجلس الإدارة. وخلاصة القول تظهر الأمثلة الواقعية الكثيرة كيف يمكن للسياسة المكتبية أن تعرقل استقلالية وموضوعية المراجعة الداخلية، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنظمات. ووظيفة المراجعة الداخلية أساسية في حماية المنظمات من المخاطر، ولكن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا من خلال ضمان استقلاليتها وقدرتها على مواجهة السياسة المكتبية بحزم ومهنية. هل واجهتم تحديات السياسة المكتبية في المراجعة الداخلية خلال مسيرتكم المهنية؟ شاركونا أهم الدروس المستفادة!