تعد أمانة سر مجلس الإدارة بوابة ترتيب أولويات جدول أعمال المجلس، وهذا يعني تحديد الموضوعات المطروحة على اجتماع المجلس التي تستحق الاهتمام والنقاش. وهي بذلك عكس ما يعتقده البعض من أنها تقوم بأعمال روتينية في نطاق ضيق من ترتيب الملفات والوثائق وتنسيق مواعيد الاجتماعات، بل تتعدى بكثير تلك الأدوار التنظيمية إلى المساهمة في تعزيز حوكمة المجلس – ولجانه التابعة.
ويلعب أمين سر المجلس دور الوسيط والميسر والمنظم لمجلس الإدارة. فالأمين هو حلقة الوصل بين الإدارة التنفيذية وأعضاء المجلس. ولا شك أن للقرارات الصادرة عن المجلس تأثير إداري أو مالي سواء على صعيد الأفراد أو على توجهات المنظمة الاستراتيجية وسياساتها التنظيمية. ولذا هناك الكثير مما يسمى في أدبيات الإدارة ” السياسة في المنظمة” (Organizational Politics) والتي تعكس اتجاهات وآراء ومصالح متعددة – وربما متعارضة في بعض الأحيان – في المنظمة. وهكذا يسعى جميع الأطراف من أصحاب المصلحة سواء من داخل المجلس أو ممن هم خارجه إلى جذب القرار لصالحهم. وهنا يتضح دور أمين المجلس كمنظم (Gate Keeper) لتلك التداخلات والتدافعات فيكون حاجبا على باب المجلس تارة سامحا ومتلقفا لبعض الآراء والقضايا مانعا ومشتتا تارة أخرى للبعض الآخر. وإذا كان – كما تقول القاعدة الشريعة – أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن أمين المجلس له دور كبير في التأثير على تصورات أعضاء المجلس. هذا بالإضافة لتحكمه بتوزيع الوقت على موضوعات الاجتماع وصياغة قرارات المجلس ومتابعة تنفيذها. وجميع ذلك مؤثر في توجهات وسياسات المجلس.
هذا الدور بل الأدوار التي يتحتم على أمين المجلس تأديتها تتطلب حساسية تنظيمية ونباهة إدارية وقبل ذلك أخلاقا مهنية وصحة نفسية ومرونة في تعامله مع مختلف المواقف والشخصيات والموضوعات. هذا يعني أن يكون على درجة عالية من الذكاء الاجتماعي والعاطفي في تعامله مع الشخصيات المختلفة متمتعا بالحكمة مدركا لحساسية المعلومات ومحافظا على سريتها. فعلى سبيل المثال قد يحتاج بعض أعضاء المجلس لمزيد إيضاح أو اجتماع خاص لفهم بعض الموضوعات لبناء قرار مبني على المعرفة، وهنا يأتي دور الأمين الفعال في إعطاء الاهتمام لمثل هذه التفاصيل وإيصال عضو المجلس لمن يستطيع تلبية احتياجاته من الإدارة التنفيذية أو غيرها.
ولا يقتصر دور أمين السر على الجانب الإجرائي فقط، بل يمتد ليشمل تقديم الاستشارات والدعم لأعضاء المجلس في مختلف القضايا المتعلقة بالحوكمة، مثل تقييم أداء المجلس، وإدارة المخاطر، والامتثال للأنظمة واللوائح. وعلى سبيل المثال، يساعد الأمين المجلس في الالتزام بالتبليغات النظامية والتأكد من رفع اعتماد ورفع القوائم المالية في الوقت النظامي، كما يذكر المجلس بأهمية التقييم الذاتي لأدائه وأداء أعضائه، وغير ذلك.
كما يلتزم الأمين الفعال بالدقة والأمانة المهنية والموضوعية والحيادية في رفع الطلبات وترتيب الموضوعات وكتابة المحاضر. وعندما يتلكأ الأمين في رفع بعض الموضوعات المطلوبة من قبل الإدارة التنفيذية لأجندة معينة، فإن ذلك يعمل على تعطيل لعمل الإدارة والمنظمة وتضييع للفرص. وهناك حالات في المشهد الإداري من تأخر إصدار قرارات بسيطة وروتينية ما يقارب السنة لرفض أمانة السر رفعها بالتمرير لمجلس الإدارة! ليس ذلك فحسب، وإنما حتى بعض العقود الكبيرة والمهمة للمنظمة قد تتأخر لأشهر دون سبب وجيه. كما يحدث في بعض الأحيان ضعف توثيق المحاضر وتدقيقها، بل حتى تحريف للقرارات التي تم إقراراها في الاجتماع.
ومن المثير للدهشة تضارب المصالح الذي قد ينشأ في بعض الأحيان حين يتم تعيين أمين سر لمجلس جهة من قبل جهة متبوعة كوزارة أو صندوق سيادي أو شركة قابضة. وما يزيد من حال الاستغراب أن بعض هؤلاء الأمناء غير مؤهلين فنيا أو يقدمون أجندة الجهة المتبوعة على حساب أجندة المنظمة التابعة، وغالبا لا يكونون متفرغين. وهذه الأمور تلقي بتبعاتها السلبية على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بشكل واضح جلي، الأمر الذي ينشأ عنه مخاطر استراتيجية وتشغيلية – وفي بعض الأحيان – قانونية.
من جهة أخرى، يؤدي وضوح دور الأمين وفهمه الجيد لصلاحياته ومسؤولياته إلى تواصل أفضل مع الأطراف ذات المصلحة وكفاءة أعلى في أداء المهام وعدم الازدواجية في الأعمال. وفي هذا السياق، أذكر أنه طلب مني أحد أمناء سر لجنة المراجعة وبصفتي رئيسا للمراجعة الداخلية جمع المادة التي سيتم عرضها على اللجنة من الإدارة التنفيذية ورفعها لهم. مع العلم أنها إحدى المهام الرئيسية لأمانة السر ولا تقع ضمن مسؤوليات المراجعة الداخلية!
وأخيرا، لضمان نجاح أمانة السر يستلزم منحها الدعم الإداري والمالي والتقني والتدريب اللازم مع أهمية الرقابة على أعمالها. ونافلة القول كيفما تكون أمانة السر يكون المجلس، فالسر في أمين السر!