يعد تعزيز ثقافة مؤسسية صحية أمرا بالغ الأهمية لنجاح المنظمات. فالثقافة الإيجابية والصحية تعزز اندماج ومشاركة الموظفين، وتشجع على الابتكار، وتقوي سمعة الشركة. ومع ذلك، قد يكون فهم وتقييم ثقافة المنظمة أمرا معقدا، وهنا تأتي أهمية مراجعة الثقافة المؤسسية.
تشير الثقافة المؤسسية إلى النظم غير المرئية للمعتقدات والقيم والأعراف والسلوكيات التي توجه تصرفات الأفراد داخل المنظمة. تتجسد الثقافة من خلال السياسات، والعلاقات الداخلية، وأساليب القيادة، وهي تلعب دورا محوريا في تشكيل بيئة العمل ورفع مستوى الأداء التنظيمي.
من هنا تأتي أهمية مراجعة الثقافة المؤسسية وهي عملية تقييم منهجية وشاملة للقيم والمعتقدات والسلوكيات والممارسات داخل المنظمة. تهدف هذه المراجعة إلى توفير صورة واضحة عن الثقافة السائدة وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين. عادة ما يتم تنفيذ مثل هذه المراجعات بواسطة مستشارين خارجيين لمزيد من الكفاءة والاستقلالية، ولكن قد تجرى داخليا أيضا بناء على احتياجات المنظمة ومواردها.
وتلعب المراجعة الداخلية دورا جوهريا في مراجعة الثقافة المؤسسية من خلال تقديم تقييم مستقل وموضوعي حول مدى توافق السلوكيات والممارسات التنظيمية مع القيم والأهداف الاستراتيجية للمنظمة. تعمل فرق المراجعة الداخلية على جمع وتحليل البيانات باستخدام أدوات متعددة مثل استبيانات الموظفين، والمقابلات، وتحليل الوثائق، بالإضافة إلى مراقبة السلوكيات التنظيمية. يساعد هذا التقييم في تحديد الفجوات بين الثقافة المعلنة والواقع العملي داخل المنظمة. كما تقوم المراجعة الداخلية بتقديم توصيات تستند إلى الأدلة لتعزيز القيم المؤسسية، وتراقب تنفيذ التغييرات لضمان تحقيق التحسين المستدام. من خلال هذا الدور، تساهم المراجعة الداخلية في خلق بيئة عمل تعزز الامتثال للقيم المؤسسية وتدعم التحول الثقافي المستدام. كما تساعد في تحديد المخاطر المرتبطة بالثقافة التنظيمية، مثل ضعف الامتثال، وانعدام المساءلة، وتضارب المصالح، مما يدعم عمليات اتخاذ القرار في المنظمة.
وعلى أن الالتفات للثقافة المؤسسية يعد حديثا، إلا أن الثقافة المؤسسية تؤثر بشكل مباشر على المخاطر التنظيمية، حيث يمكن لثقافة ضعيفة أن تؤدي إلى زيادة فرص حدوث المخالفات، وعدم الالتزام باللوائح والسياسات، ونقص الشفافية داخل المنظمة. وبالتالي تساعد مهام مراجعة الثقافة المؤسسية في تحديد هذه المخاطر وتصميم استراتيجيات للتخفيف منها، مما يجعل الثقافة التنظيمية أكثر توافقا مع الأهداف الاستراتيجية.
ويمكن استخدام الاستبيانات لجمع بيانات كمية حول تصورات الموظفين بشأن بيئة العمل، كما تساعد المقابلات الفردية في استكشاف التجارب والآراء المتعمقة. بالإضافة إلى ذلك، توفر المجموعات المركزة بيانات نوعية من مجموعة ممثلة من الموظفين، في حين تساهم الملاحظة المباشرة في مراقبة التفاعلات والسلوكيات التنظيمية. كما تعد مراجعة الوثائق وسيلة فعالة لتحليل مدى توافق السياسات والإجراءات مع الثقافة المؤسسية.
ومن الجدير بالذكر أن هناك عددا من النماذج لتقييم وتحليل الثقافة التنظيمية، منها على سبيل المثال نموذج دينيسون للثقافة التنظيمية الذي يركز على أربع سمات رئيسية: المهمة، والقدرة على التكيف، والمشاركة، والاتساق، أيضا هناك إطار القيم المتنافسة (Competing Values Framework (CVF)) الذي يصنف الثقافات التنظيمية إلى أربعة أنواع: ثقافة العشيرة، والبيروقراطية، والسوق، والمغامرة. كما تستخدم أداة تقييم الثقافة التنظيمية (Organizational Culture Assessment Instrument (OCAI)) التي تعتمد على استبيان يقيس الثقافة الحالية والمأمولة للمنظمة، وأخيرا نموذج إدغار شاين للثقافة التنظيمية الذي يحدد ثلاثة مستويات للثقافة: الآثار الظاهرة، والقيم المعلنة، والافتراضات العميقة.
وقد شهدت العديد من الشركات الخليجية مراجعات ناجحة للثقافة المؤسسية. فمجموعة STC في السعودية[1] أجرت مراجعة ثقافية لتعزيز التحول الرقمي والابتكار، مما أدى إلى تحسين بيئة العمل وزيادة الإنتاجية. وفي الإمارات، قامت مجموعة ماجد الفطيم[2] بإجراء مراجعة تنظيمية لتعزيز الشمولية والاستدامة، مما ساعد على تحسين صحة الموظفين ورفاهيتهم. أما في الكويت، فقد نفذت شركة زين للاتصالات[3] مراجعة ثقافية من خلال ورش عمل واستطلاعات رأي لتحسين التواصل الداخلي وتعزيز التعاون بين الفرق.
على الرغم من فوائد مراجعة الثقافة التنظيمية، إلا أنها قد تواجه العديد من التحديات. على سبيل المثال، الطبيعة الديناميكية للثقافة المؤسسية تجعل من الصعب قياس تأثيرها بدقة، كما أن مقاومة التغيير من قبل الموظفين قد تؤثر على تنفيذ المراجعة بفعالية، خاصة إذا تولد لديهم شعور أن التغييرات قد تكون غير مرغوبة. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج المراجعة إلى موارد كبيرة من حيث الوقت والمال والتكنولوجيا، وقد تؤثر إمكانية التحيز في تحليل البيانات على دقة النتائج.
تعد المراقبة المستمرة للثقافة التنظيمية ضرورية لضمان استمرار توافقها مع الأهداف المؤسسية. يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام مؤشرات الأداء الرئيسية التي تقيس مدى تحقيق الأهداف الثقافية، إلى جانب المؤشرات الرئيسية للمخاطر التي تكشف عن أي انحرافات ثقافية. كما يمكن الاعتماد على التحليلات المتقدمة لمراقبة تطور الثقافة التنظيمية بمرور الوقت.
وبنظرة أكثر شمولية، تمثل مراجعة الثقافة المؤسسية أحد العناصر الجوهرية في تطوير أداء المنظمات ما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، حيث تستهدف الرؤية تطوير رأس المال البشري، وتعزيز بيئة العمل، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي بما يواكب التحولات العالمية. كما يدعم تطوير الثقافة المؤسسية تحقيق أهداف الرؤية في بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح من خلال تعزيز بيئات العمل الإبداعية والمحفزة على الابتكار وبناء الخبرة الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الرؤية إلى تمكين الموارد البشرية الوطنية وتعزيز إنتاجيتها، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال مراجعة الثقافة المؤسسية للتأكيد على توافقها مع المبادئ الحديثة في الحوكمة، والشفافية، والالتزام بأفضل الممارسات العالمية. كما أن تطوير الثقافة التنظيمية يسهم في تحقيق مستهدفات برنامج جودة الحياة وبرنامج التحول الوطني عبر توفير بيئات عمل تفاعلية تضمن تمكين الكوادر الوطنية وزيادة مستوى رضاهم المهني.
[1] https://www.stc.com.sa/content/dam/groupsites/en/pdf/stc2023-annual-report-en-v4.pdf
[2] https://www.majidalfuttaim.com/docs/default-source/reports/maf-2023-sustainability-report-ar_final.pdf – صفحة 102
[3] https://argaamplus.s3.amazonaws.com/5dbe06a6-b9cc-4c5f-a681-03b2d8a8c9a4.pdf – صفحة 49