direction: rtl;
:: إعلانات ::

الآن .. بودكاست

قهوة بدون سكر

على iTunes

البودكاست السعودي الجديد "شات شرقي"

Posts Tagged ‘القيم’

لماذا لا نقف في الصف..؟!

السبت, مارس 1st, 2008
اخترت لكم من مقالات الوالد حفظه الله هذه المقالة وذلك لأنها تعالج قضية مهمة في المجتمع ومتفشية أيضا :

لماذا لا نقف في الصف..؟!


د. عدنان بن عبد الله الشيحة  -  28/12/1428هـ

aashiha@yahoo.com


إذا كانت الثقافة تعني مجموع القيم المشتركة للمجتمع وما اتفق على أنه صح أو خطأ وما هو مقبول وغير مقبول، فإن السلوكيات والتصرفات والمعاملات بين الناس هي مدلولات لهذه الثقافة. لقد بدا واضحا من المشاهدات اليومية أن ثقافتنا الاجتماعية تشجع الفوضوية وعدم الانضباط وعدم احترام القانون وتخطي حقوق الآخرين. قد يكون من الصعب قبول ذلك لأنه نعت لا يقبل ووصف لا يليق خاصة بمجتمع إسلامي يفترض أن يحوي معاني الفضيلة والأخلاق الحميدة. إلا أن ذلك مع الأسف الشديد هو واقع الحال ولا يستطيع أحد إنكاره. إن هناك فارقا كبيرا بين ما نتصوره وما نرسمه في أذهاننا من صور الكمال للمجتمع وبين ما نطبقه ونمارسه في تعاملاتنا مع بعضنا بعضا وتصرفاتنا الشخصية. لذا هناك فجوة كبيرة بين ما نقول وما نفعل، قد تكون هذه الفجوة تمثل الفارق بيننا كمجتمع نام والمجتمعات الأكثر تقدما. ومن المؤكد أن تحقيق تنمية حقيقية واللحاق بركب الدول المتقدمة يتطلبان إعادة تثقيف المجتمع بغرس قيم احترام القانون وحقوق الآخرين وجعلها أولوية وطنية، فدون ذلك لا نستطيع تبوؤ مكانة عالية والتحول إلى مجتمع أكثر تحضرا وإنتاجا وقوة. إن الثقافة الحالية المبنية على أخذ الكثير بأقل القليل بغض النظر عن حقوق الآخرين ودون حساب درجة الاجتهاد ومستوى الإنتاجية، تقف حجر عثرة في مسيرة التنمية والتقدم.
تتعدد أشكال ومستويات مظاهر هذه الثقافة وتختلف درجة حدتها لكن تبقى هي الطابع العام وجزء من منظومة القيم الاجتماعية تسيطر على سلوكيات الناس وتعاملاتهم. لقد استشرت هذه الثقافة وتجذرت خاصة في ظل الطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد والتطور المادي الكبير الذي لم يصاحبه تطور ثقافي وقانوني بالمعدل نفسه. إن النزعة نحو عدم الالتزام بالقانون واحترام حقوق الآخرين نجدها عند الكثيرين بغض النظر عن العمر والمنصب والحالة الاجتماعية والاقتصادية ومستوى التعليم. وفي ظل هذه الثقافة القائمة، لم يكن مستنكرا أن ينعت الطفل الشقي الذي يعتدي على الأطفال الآخرين بـ “الشيطاني” على سبيل المدح! مع ما يمثله الشيطان من رمزية لكل شر، أو ألا يستنكف الطالب من المجاهرة لدى زملائه بأنه غش في الامتحان كيف لا وبعض زملائه في غاية الإعجاب! أو ذلك الخريج الذي لا يخجل من وصف وظيفته التي حصل عليها للتو بأنه بالكاد يقوم بأي عمل ليجد الجالسين من حوله يحسدونه على ذلك!
لقد تربى الناس على مبدأ “إذا لم تظلم الناس تظلم” ومقولة “إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”، إنه قانون الغاب الذي يفترس فيه البعض بعضا كلما لاح في الأفق فرصة دونما رادع أخلاقي ولا مراعاة لحقوق الآخرين. لقد هان على الناس الظلم حتى أنهم استمرأوه فلا الظالم يحس بظلمه ولا المظلوم يعي ما يقع عليه من ظلم! فالكل يتوهم أن الوضع المتراخي المطاطي غير الانضباطي يتيح الفرصة للحصول على ما ليس له، فاليوم مظلوم وغدا ظالم! المهم هو أن تتحين الفرصة وتفوز بالغنيمة قبل غيرك وتحصل على قصب السبق في صراع محموم وتنافس شديد في لعبة لا تخضع لقوانين وأنظمة ولا لمنطق وقيم سوية رشيدة! وما عليك لتتحقق من ذلك سوى قيادة مركبتك في الطريق العام لترى العجب العجاب، وكيف أن البعض يصر على أن يمتلك الطريق ويستخدمه وحده! إن هذه التجاوزات المرورية على الطرق العامة تعكس بكل وضوح ثقافة التعدي على حق الآخرين وعدم قبول فكرة الوقوف في المسار وانتظار الدور، وما يحدث على الطريق العام من تجاوزات يتكرر في أماكن العمل والدراسة والبيت وكل مناحي الحياة!
إن الوقوف في الصف واحترام القانون وحقوق الآخرين أصبحت سبة يوصف صاحبها بالسذاجة والضعف ولربما شك في قدراته العقلية! لم يعد البعض يطيق انتظار دوره، فقد يسيطر عليه وهم التميز عن الآخرين، وأنه يصح له ما لا يصح لغيره! لذا لم يكن مستغربا أن تتفشى الواسطة لإنهاء الأعمال الروتينية لأن صاحب المعاملة يرغب في إنهائها قبل أن يحين دوره أو دون أن يقف في الصف ابتداء! يشجع على ذلك أن الموظف يرغب في الحصول على هدايا قيمة أو تعجيل الترقية لأنه لم يشأ هو الآخر أن ينتظر حتى يحين دوره في الترقية! الكل يلهث لتحقيق مصالحه الخاصة حتى ولو على حساب المصلحة العامة، وكأن كل واحد منا يعيش في معزل عن الآخر ولم يعلموا أن المجتمع كالسفينة تتطلب تكاتف الجميع للإبحار بها إلى ساحل الأمان. الكل محتاج للآخرين لكن تحت مظلة القانون وداخل إطاره. إن التعاون يكون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان! ليسهم كل حسب مقدرته في تنمية المجتمع والارتقاء به إلى مستويات أعلى من التحضر. فحقيقة الأمر أن المجتمع هو مجموع أفراده وكيفما يكونون يكون المجتمع. لا أحد يستطيع رؤية المصلحة العامة من خلال مصلحته الخاصة بل يجب رؤيتها بعين الجماعة وأن تحقيقها يتطلب النظرة المشتركة للأمور والعمل الجماعي التعاوني. من دون هذه النظرة الجماعية لن نفلح إذا أبدا. فكل مطالب من موقعة بعمل الأفضل والاجتهاد وقبول تطبيق القانون على نفسه أولا ومن ثم على الآخرين. إن المصلحة العامة لا سبيل إلى تحقيقها طالما هناك من يخالف الأنظمة والقوانين أو يطبقها بمزاجية وهوى شخصي.
إن من الصعب تفسير لماذا نحن نفكر ونتصرف بهذه الطريقة العشوائية غير الحضارية. قد تكون هذه التصرفات انعكاسا للطبيعة الجغرافية الصحراوية القاسية التي تندر فيها مقومات الحياة وبالتالي يتنازعها الناس من أجل البقاء، وهكذا تأصلت قيم وعادات وتقاليد في نفوس الأفراد تحث على انتزاع الأشياء انتزاعا وبالقوة والحصول عليها كمغنم. إنه التفكير التقليدي الذي يحث على النخوة والشجاعة التي لا تقبل القيود من الآخرين حتى وإن كان القانون! الاعتقاد السائد أن من الرجولة رفض الأوامر والتوجيهات القانونية وعدم الانصياع للتعليمات والانضباط! إن القيم التقليدية التي تستند إلى العلاقات الأسرية والقبلية تجعل من الصعب على البعض فهم العلاقات الإنسانية بموضوعية وعلى أساس القانون المحايد، فلا يتقبلون القوانين والأنظمة لأنها خارج المنظومة القيمية للأفراد وأجنبية عن ذواتهم وتتعارض إلى حد ما مع القيم التقليدية التي عادة ترفض الوصاية من خارج منظومتها. إنهم يرون القوانين أجنبية لا تمت لهم بصلة ولذا يكون فهمهم لها تجريدا دون معنى واضح ومقصد مبين. هؤلاء يعجزون عن فهم جوهر القانون في أنه يحقق المصلحة العامة بتطبيق مبدأ أن الناس جميعا متساوون أمام سلطة القانون. إن غياب هذا التفكير يقود إلى التراخي في تطبيق القانون أو تلوينه بالقيم التقليدية بحيث تقدم الخدمة للأقارب والمعارف وتحجب عن الغير. إنها دوامة من الأفعال والسلوكيات غير القانونية يشترك فيها الجميع لتعطل المشروع التنموي وتشتت الجهود. لقد حان الوقت أن نرتقي بالمجتمع عبر زرع قيم احترام القانون في البيت والمدرسة ومكان العمل وتعليم الناس الصبر والحكمة واحترام حقوق الآخرين، حتى لا يكون الانتظام في الصف فوضى على رأي أحدهم عندما طلب منه الموظف الانتظار في الصف بعدما تخطى الجميع ليصيح بصوت عال وبعفوية “والله …فوضى”!! قد تروى هذه القصة على سبيل التندر إلا أنها ليست عن الواقع ببعيد. فهلا وقفنا في الصف؟!

_______

المصدر : جريدة الاقتصادية